أخلاق الصراع… من الرياضة إلى معارك الحروب



إلى حدّ اللحظة، هناك مباراتان ضمن كأس العالم تسترعيان الانتباه من زاوية أخرى غير زاوية النصر والهزيمة، بل من زاوية القيم والأخلاق، ومن منظور ثقافي أو ثقافوي. وهما مباراة فرنسا والباراغواي، ومباراة إنجلترا والأرجنتين. والقاسم المشترك بينهما هو منافسة فريق أوروبي لفريق من أمريكا الجنوبية في لعبة كرة القدم.
من حيث المبدأ، تمثل أوروبا فضاءً ثقافيًا متمايزًا، كما تمثل أمريكا اللاتينية فضاءً ثقافيًا متمايزًا أيضًا. وهذا الفضاء الثقافي ينعكس، إلى حد بعيد، في أسلوب ممارسة رياضة هي بدورها مجال مهني وترويحي له قواعده وضوابطه وأخلاقياته، إلى درجة أنه يشكل وحدة ثقافية قائمة بذاتها.

ما يجمع الفرق الأوروبية هو التقانة المفرطة، مع ميل إلى كبح نزعات الفرد وشططه في ميدان صراعي يتمحور حول الجسم والانضباط وعدم التهيب من الاحتكاك والمواجهة.

في رياضة مثل كرة القدم، الجسد في خدمة قواعد اللعبة، الجسد وكل ما يحتمله من ألم ومعاناة ومخاطر هو الرهان.

أما ما يميز الفرق اللاتينية فهو الانغماس في اللعبة بوصفها صراعًا، بما ينطوي عليه ذلك من انجراف نحو الهامش الرمادي لقواعد اللعبة، القائم لا على المهارة وحدها، بل أيضًا على استغلال نقاط الضعف النفسية لدى الخصم: الخشونة، والاستفزاز، والتذمر، والتحرش، والإيذاء الجسدي المدروس.

لاحظوا أننا نؤطر الأخلاق بالإطار الثقافي. وهذا افتراض يقوم على أن الفضاءات الجغرافية واللغوية والسكانية تنطوي على أنماط ثقافية خاصة، وبالتالي على منظومات قيم وأطر أخلاقية متميزة. وهذه الأخلاق هي خلاصة تفاعل الفرد مع بيئته.

في أوروبا يأتي اللاعبون من الأكاديميات؛ أي إنهم يخضعون، منذ وقت مبكر، لتنشئة منهجية وانضباطية خاصة، وسرعان ما يتحولون إلى أفراد ينتمون إلى الطبقة الوسطى أو الوسطى العليا قبل ان يتنقل أغلبهم إلى خانة الثراء الفاحش وقيم هذا الوسط وأسلوب حياته.

أما اللاعبون اللاتينيون فيأتون غالبًا من الطبقات الشعبية، وهم في الأصل قادمون من بلدان فقيرة، أو في أحسن الأحوال من دول لا تقارن ظروف المعيشة فيها بما هو قائم في الدول الأوروبية.

يجلبون معهم عنف الشارع والعنف اليومي المبتذل والدائم، وروح لعب الحواري، إلى المستطيلات الخضراء العالمية.

وتتداخل هذه القيم في مسرح واحد، فتنتج تلك الدراما الناعمة المغلفة بمشاعر متباينة: نشوة النصر، وانكسار الهزيمة، والإشادة العلنية بالملتزم المهذب، وفي الوقت نفسه تثمين دهاء “الثعلب”، والانفتاح على القوة في المحصلة، والتماهي مع الروح القتالية، وتقريع الضعف والتعفف.

وهذه الأخلاق لا تُعهد إلى الفرد وحده، بل إلى مؤسسة تخلق استراتيجيات لإدارتها. فقد قرر الفريق الفرنسي الترفع عن قواعد اللعبة التي فرضها الباراغويانيون، وشفع له الفوز في ذلك. أما الإنجليز، فلم يكن أمامهم سوى الانزلاق إلى الشروط التي فرضها الأرجنتينيون تسوطهم مرارة الهزيمة.

في مسرح تتنافس فيه ثلاث عناصر ثقافية، أين يقف التطوري المتحول، وأين يقف الجامد أو البطيء؟ ومن يجذب الآخر إليه؟

إن قراءة هذا المشهد تتيح لنا إمكانية تصور مسارات الصراعات العسكرية التي تدور بين من يراهن على القوة، ومن يتسلح بالأطر القانونية، وكيف تتفاعل الأخلاق والثقافة والاستراتيجية في ساحات الصراع، سواء كانت ملاعب كرة القدم أم ميادين الحروب.

د. مصطفى ناجي

* الصورة من موقع قناة الجزيرة على الانترنت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى